لم تعد حركة مناهضة المراقبة الشاملة قاصرة على بلدان محددة، بل اتسع نطاقها لتصبح حركة حقوقية عالمية، وذلك بعد تسريب معلومات حول قيام الإدارة الأمريكية وحكومات أخرى بالتنصت غير القانوني على الاتصالات، مما أدى إلى ظهور أصوات تطالب بوقف هذه الممارسات غير المبررة سواء كانت تمارسها حكومات وطنية أو أجنبية أو شركات خاصة.

إن مساعي الحكومة المصرية لفرض المراقبة الشاملة على الإنترنت ووسائل الاتصالات عموما ليست جديدة، حيث نُشرت بعض الوثائق مطلع عام ٢٠١١ تم العثور عليها داخل مقرات مباحث أمن الدولة، أفادت هذه الوثائق بوجود مراسلات متبادلة بين وزارة الداخلية وإحدى الشركات المتخصصة في تقنيات التجسس تمهيدا لشراء الوزارة لهذه التقنيات، كما كشف الحكم القضائي الذي صدر في قضية قطع الاتصالات خلال الأيام الأولى لثورة ٢٥ يناير عن أن محاولات الحكومة المصرية لممارسة التنصت والتجسس تعود إلى شهر أبريل عام ٢٠٠٨، وهو العام الذي انتفض فيه أهالي مدينة المحلة الكبرى بعد دعوة للإضراب العام احتجاجاً على سياسات القهر والإفقار التي كان يمارسها نظام مبارك.

بتاريخ 17 يونيو 2014 أقام عدد من المنظمات الحقوقية كممثلين للدكتور/ مصطفى حسين الدعوى القضائية رقم 63055 لسنة 68 قضائية ، أمام محكمة القضاء الإداري، للمطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر من وزارة الداخلية بإجراء ممارسة محدودة تهدف إلى استخدام برمجيات وتطبيقات مخصصة لرصد النشاط الرقمي لمستخدمي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، وقد حددت المحكمة لنظر القضية جلسة 31 أغسطس 2014.

استقبل النشطاء والحقوقيين المصريين قرار وزارة الداخلية المطعون عليه أمام المحكمة بالرفض والاستنكار نظرا لما ينطوي عليه من مخاطر تمس الحق في الخصوصية وحرية التعبير. حيث تسعى الوزارة من خلال هذا المشروع إلى فرض الرقابة على بعض التطبيقات التي يستخدمها الأفراد للمحادثات الهاتفية والمراسلات مثل ” فايبر، واتس اب، فضلاً عن الشروط الأخرى التي وردت في كراسة الإعلان عن المناقصة والتي تشير بوضوح إلى عزم الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة على فرض نظام مراقبة شامل على ما يتداوله المستخدمون من محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي وتحليله ورصد القائمين على نشره أو تلقيه، وهو ما يعد اعتداء على الحق في الخصوصية في المجال العام، بالإضافة إلى مخالفة ذلك للضوابط التي وضعها الدستور المصري وقانون الإجراءات الجنائية للمراقبة بهدف تحقيق الجرائم، وهي الضوابط التي تستلزم أن تكون المراقبة بناء على أمر قضائي مسبب ولمدة محددة وبمناسبة التحقيق في جريمة تستلزم اختراق الخصوصية للكشف عن ملابساتها.

أيضاً يؤدي تفعيل مشروع مراقبة النشاط الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي إلى قمع حرية التعبير، من خلال تتبع الموضوعات الأكثر شيوعاً على مواقع “فيسبوك، تويتر، يوتيوب” وهو ما يجعل القائمين على مناقشة هذه الموضوعات هدفاً للتهديدات من قبل الجهات القائمة على المراقبة وعرضة لتلفيق القضايا مثل ” إهانة الهيئات النظامية، وازدراء الأديان، وغيرها من الاتهامات المحمية بموجب نصوص قانونية معادية لحرية التعبير.

جدير بالذكر أن مشروع مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي المطروح من قبل وزارة الداخلية مخالف للمبادئ الدولية الخاصة بتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة وسائل الاتصالات، ومن أهم هذه المبادئ، مبدأ “التناسب” ومفاده أن القرارات بشأن مراقبة الاتصالات يجب اتخاذها بموازنة المكاسب المنشود تحقيقها بالضرر الذي ستحدثه في حقوق الفرد، و كذلك بالأهداف الأخرى المتعارضة مع أهداف المراقبة، و ينبغي أن تؤخذ في الحسبان حساسية البيانات و درجة فداحة الانتهاك الواقع على الخصوصية.

أما المبدأ الثاني الذي يخالفه القرار المطعون فيه فهو مبدأ “الضرورة” ومؤداه أن القوانين التي تسمح بمراقبة الاتّصالات من قِبل الحكومة يجب أن تقصر المراقبة على القدر الأدنى الممكن بيان ضرورته لتحقيق غرضٍ مشروع.